يرى مايكل هراري أن الدول الثلاث تترقب بقلق شكل المنطقة بعد انتهاء الحرب، في وقت تدرس فيه الفرص التي أفرزها الصراع، أو على الأقل الفرص التي باتت متاحة لبعضها. ويعكس الاتفاق الأمني الثلاثي الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة يوم 7 أغسطس، التداعيات الإقليمية الأوسع للحرب مع إيران، بينما يعيد رسم حسابات القوى الإقليمية بشأن مرحلة ما بعد الحرب.

 

ووفقًا لما نشره موقع تركيا اليوم، يستند اتفاق مكة إلى المصالح المشتركة بين الدول الثلاث، ويهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار والسلام، كما يسعى إلى تدعيم دفاعها الجماعي أمام أي تهديد، إذ ينص على اعتبار أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، إلى جانب توسيع التعاون الأمني بينها.

 

لكن السؤال العملياتي الأبرز يتمثل في كيفية تفسير كل دولة لالتزاماتها إذا تعرضت إحداها لهجوم. فإذا شنت إيران، على سبيل المثال، هجومًا على أهداف سعودية، فمن المعقول افتراض أن تركيا وباكستان لن تندفعا إلى خوض حرب نيابة عن السعودية، رغم أن صياغة الاتفاق تستحضر مبدأ الدفاع الجماعي الذي يقوم عليه حلف الناتو.

 

ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من الدافع المشترك الذي جمع الدول الثلاث، ولا من رسالة التضامن التي يحملها الاتفاق. وقد يؤدي الاتفاق، في بعض جوانبه، دور أداة للردع في مواجهة إيران.

 

ووصلت الدول الثلاث إلى مراسم التوقيع في مكة من مواقع استراتيجية مختلفة، وهو ما يفسر اختلاف حساباتها تجاه الاتفاق وتداعياته على النظام الإقليمي المقبل.

 

السعودية تبحث عن طبقة دفاع جديدة بعد الحرب

 

تدخل السعودية مرحلة ما بعد الحرب من موقع ينطوي على قدر ملحوظ من الضعف، إذ ألقت الحرب مع إيران بظلالها على المملكة رغم المظلة الأمنية الأمريكية والعلاقة الاستراتيجية التي تربط الرياض بواشنطن.

 

كما أن نتائج الحرب حتى الآن لا تبعث على التفاؤل من المنظور السعودي، ولذلك تجد الرياض نفسها مضطرة إلى الاستعداد لما سيأتي، رغم أن ملامح النظام الإقليمي بعد الحرب وتداعياته لا تزال غير واضحة.

 

وقد يوفر تعزيز التعاون الأمني مع تركيا وباكستان طبقة إضافية من الدفاع والردع أمام إيران. لكن علاقة السعودية بكل من الدولتين تحمل طبيعة مختلفة بصورة جوهرية.

 

وحافظت السعودية وباكستان على تعاون وثيق لسنوات طويلة، بما في ذلك اتفاق أمني راسخ. أما العلاقات السعودية التركية، فشهدت تقلبات أكبر بكثير، رغم نجاح البلدين في تجاوز خلافات مهمة والتعاون بشأن عدد من القضايا الإقليمية.

 

وتواجه دول الخليج الأخرى معضلات مشابهة إلى حد كبير لتلك التي تواجه الرياض، ما يجعل إعادة ترتيب العلاقات الأمنية في المنطقة قضية تتجاوز حدود الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق.

 

تركيا ترى فرصة لتعزيز نفوذها وباكستان تحصد المكاسب

 

تنظر تركيا إلى المشهد الإقليمي الناشئ بنظرة أكثر إيجابية نسبيًا. فمن ناحية، تشعر أنقرة بالقلق إزاء حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل الشرق الأوسط، بما في ذلك سياسات إسرائيل والمسار الذي ستتبعه واشنطن في المنطقة. ومن ناحية أخرى، ترى تركيا فرصة لتعزيز مكانتها الإقليمية، بما في ذلك تطوير علاقاتها مع حلف الناتو وأوروبا على نطاق أوسع.

 

أما باكستان، فتبدو المستفيد الرئيسي من الحرب، إذ تحركت إسلام آباد بسرعة ومهارة للاستفادة من الفراغ الدبلوماسي الذي أحاط بجهود الوساطة. ولا تزال باكستان تنخرط بكثافة مع كل من طهران وواشنطن، إلى جانب دول أخرى في المنطقة.

 

وفي المقابل، يُنظر إلى الولايات المتحدة على نطاق واسع باعتبارها تتحرك من موقع ضعف. ومع عدم إحراز الحرب نجاحًا واضحًا حتى الآن، إلى جانب المكاسب التي يبدو أن طهران حققتها حول مضيق هرمز، تتجه دول المنطقة بصورة متزايدة إلى الاستعداد لما قد يأتي لاحقًا.

 

وفي ظل غياب قوة كبرى أخرى قادرة على تقديم بديل موثوق، تجد دول المنطقة نفسها مضطرة بصورة متزايدة إلى الاعتماد على بعضها البعض، رغم استمرار الغموض بشأن مدى كفاية هذه الترتيبات في نهاية المطاف.

 

ولا تستهدف إسرائيل بصورة مباشرة الاتفاق الثلاثي، لكنها تدخل بالتأكيد ضمن الحسابات الاستراتيجية التي تقف وراءه. فمن وجهة نظر الدول الثلاث الموقعة، يثير السلوك الإسرائيلي الذي يتسم بالتصعيد والمجازفة تساؤلات كبيرة حول كيفية صياغة سياساتها تجاه إسرائيل. ويبدو أن نقطة واحدة باتت أكثر وضوحًا، وهي تراجع مكانة إسرائيل في الرياض.

 

مصر تتحرك بحذر وتوسّع هامش المناورة

 

تراقب دول أخرى في المنطقة هذه التحولات بقلق، وستدرس تداعيات الاتفاق الثلاثي عن كثب. ويبرز النشاط الإقليمي المتزايد لمصر بصورة خاصة، وهو تطور إيجابي في حد ذاته، لكنه يشير أيضًا إلى إدراك القاهرة لتزايد مخاوف الرياض، وسعيها إلى استغلال الفرصة لتوسيع هامش المناورة الخاص بها.

 

وكما كان متوقعًا، تواصل مصر قيادة جهود الوساطة المتعلقة بقطاع غزة، لكنها أصبحت أكثر انخراطًا كذلك في الملفين السوري واللبناني.

 

أما قطر، فتواصل أداء دورها التقليدي في الوساطة، ولكن بوتيرة أقل وضوحًا. ويبدو أن هذا النهج يعكس الدروس التي استخلصتها الدوحة من تداعيات الحرب عليها، إلى جانب تنامي المشاعر السلبية تجاهها في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

 

ولا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت إعادة الاصطفافات الإقليمية ستقود إلى مزيد من الاستقرار، أم ستزيد حدة التنافس على النفوذ والهيمنة الإقليمية. وفي كلتا الحالتين، تستحق هذه الديناميات الناشئة متابعة وثيقة، لأنها قد تحدد شكل الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب.

 

https://www.turkiyetoday.com/opinion/after-the-war-how-3-middle-eastern-powers-are-betting-on-each-other-3225939